أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

73

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

التي للعبارة ، أو التي تكون مع الفعل في تأويل المصدر ، فلا يصح أن تكون التي للعبارة ، وإن كان الأمر مما يتضمن معنى القول ، لأن عطفها على الموصولة يأبى ذلك ، والقول بكونها موصولة مثل الأولى ، لا يساعد عليه لفظ الأمر ، هو « أَقِمْ » ، لأن الصلة حقها أن تكون جملة تحتمل الصدق والكذب . قلت : قد سوّغ سيبويه أن يوصل « أَنْ » بالأمر والنهي ، وشبه ذلك بقولهم : « أنت الذي تفعل » على الخطاب ، لأن الغرض وصلها بما تكون معه في تأويل المصدر والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال . قلت : قد قدمت الإشكال في ذلك وهو أنه إذا قدرت بالمصدر فات الدلالة على الأمر والنهي . ورجح الشيخ « 1 » كونها مصدرية على إضمار فعل كما تقدم تقريره . قال : ليزول قلق العطف لوجود الكاف ، إذ لو كان « وَأَنْ أَقِمْ » عطفا على « أَنْ أَكُونَ » لكان التركيب وجهي بياء المتكلم ومراعاة المعنى فيه ضعف وإضمار الفعل » . قوله : حَنِيفاً يجوز أن يكون حالا من « الدّين » وأن يكون حالا من فاعل « أَقِمْ » أو مفعوله . قوله : وَلا تَدْعُ . يجوز أن تكون الجملة استئنافية ، ويجوز أن تكون عطفا على جملة الأمر وهي : « أَقِمْ » فتكون داخلة في صلة « أَنْ » بوجهيها أعني : كونها تفسيرية أو مصدرية ، وقد تقدم تحريره . وقوله : « ما لا يَنْفَعُكَ » يجوز أن تكون نكرة موصوفة وأن تكون موصولة . قوله : « فَإِنَّكَ » هو جواب الشرط ، و « إِذاً » حرف جواب توسطت بين الاسم والخبر ورتبتها التأخير عن الخبر ، وإنما وسطت رعيا للفواصل . وقال الزمخشري : « إِذاً جواب الشرط وجواب لسؤال مقدر ، كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة الأوثان » . وفي جعله « إِذاً » جزاء للشرط نظر ؟ إذ جواب الشرط محصور في أشياء ليس هذا منها . قوله : وَإِنْ يَمْسَسْكَ . قد تقدم ما في ذلك من صناعة البديع في سورة الأنعام « 2 » ، وجاء هنا في جواب الشرط الأول بنفي عام وإيجاب ، وفي جواب الثاني بنفي عام دون إيجاب لأن ما أراده لا يرده راد لا هو ولا غيره ، لأن إرادته قديمة لا تتغير ، فلذلك لم يجئ التركيب فلا راد له إلا هو . هذه عبارة الشيخ « 3 » وفيها نظر ، وكأنه يقول : بخلاف الكشف فإنه هو الفاعل لذلك وحده دون غيره بخلاف إرادته تعالى ، فإنها لا يتصور فيها الوقوع على خلافها ، وهي مسألة خلافية بين أهل السنة والمعتزلة . قال الزمخشري : « فإن قلت : لم ذكر « المسّ » في أحدهما ، والإرادة في الثاني » ؟ قلت : كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعا : الإرادة والإصابة في كل واحد من الضر والخير ، وأنه لا راد لما يريده منهما ، ولا مزيل لما يصيب به منهما ، فأوجز الكلام بأن ذكر المسّ ، وهو الإصابة في أحدهما ، والإرادة في الآخر ، ليدل بما ذكر على ما لم يذكر ، على أنه قد ذكر الإصابة في الخير في قوله : يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ « 4 » . قوله : مِنْ رَبِّكُمْ . أن يتعلق ب « جاءَكُمُ » و « مِنْ » لابتداء الغاية مجاز ، أو يجوز أن يكون حالا من « الْحَقُّ » . قوله : « فَمَنِ اهْتَدى » و « مَنْ ضَلَّ » يجوز أن تكون « من » شرطا فالفاء واجبة الدخول ، وأن تكون موصولة فالفاء جائزته . وقوله : وَما أَنَا يجوز أن تكون الحجازية أو التميمية لخفاء النصب في الخبر . وباقيها واضح .

--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 196 ) . ( 2 ) آية : رقم ( 17 ) . ( 3 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 196 ) . ( 4 ) سورة يونس ، آية : ( 70 ) .